جلال الدين السيوطي
95
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
غير مفسدها ، كيف أنت في هذا الجليد الذي أذاب قلب الجليد ، وهذه الرحمة التي أوقعتنا في العذاب الشديد ، وهذا البرد الذي لا تقوى الأجساد عليه إذا كان يقوى على البرد الحديد ، وهل عندك خبر من حال مغترّ مغترب مضطرّ مضطرب ساجد من شدة الهول مقترب . أمّا أنا فقد تحصّنت في هذه الواقعة بظلّ السّماء ذات البروج ، ولبست السنجاب الأبلق إلا أنّه من زرقة الجسد وبياض الثلوج ، وتقاويت وما قوة من أشاته الضريب صورة ومعنى ، وعاينت الموت فليت الأيام أتاحت من الثلج قطنا ، وجربت قول العربي المقرور « إنّ الحسب ليدفيني » فما وجدت الحسب إلا يدفنني ، واستصوبت قول الآخر وقد رأى أعرابيا عريانا في مثل هذا اليوم ينشد : كساني عامر وكسا بنيه * عطاف المجد إنّ له عطافا فقال : والله إنّك إلى عطاف وعباءة أحوج منك إلى هذا العطاف ، وهذا وقت عاطفة من كرم مولانا تغطي على هذا الشين وتنصف من هذا البلد الذي لا أزال فيه بين برد جسد وسخنة عين ، وإرسالها من ملابسه الشريفة وثيرة الجوانب قوية المناكب أكفّ بها هذه العبرات والعبر ، وأخلف قيس بن عاصم فأصبح سيد أهل الوبر ، والله تعالى يعين على هذا القطر وقطاره ، والأفق ومطار أمطاره ، ويغنينا عن هذا البرد ، وإن كان لؤلؤا منثورا ، وهذا السقيا وإن كان مزاجها من الثلج كافورا . وقال الأديب شمس الدين محمد بن يوسف الخياط يمدح الجلال القزويني في رجب سنة عشرين وسبعمائة : هذا مصيفهم وهذا المربع * فعلام لا تحكي العقيق الأدمع ساروا وآسى بينهم عندي أسى * وصبابة حنيت عليها الأضلع ولقد وقفت بدارهم مستخبرا * لو أنّ دارا منهم بي تسمع وسألت أربعهم ورمت إجابة * ومتى أجابت سائليها الأربع رحلوا وبين حمولهم شمس الضحى * لكنّها شمس عليها برقع